أفاق "المبادرة الوطنية الفلسطينية" المعلنة

 

بقلم: د. طلال الشريف

 

بعد أن برهن الشعب الفلسطيني على قدرته الكفاحية وصموده البطولي في مقاومة الاحتلال والنضال من اجل الحرية والاستقلال وكذلك استمرار حلمه بإحلال السلام العادل والحقيقي والعمل على استتباب الأمن والسلام الإقليمي والدولي والأخذ بيد الأجيال القادمة نحو آفاق الحرية والعدالة  والخروج من أتون الحرب المدمرة المريرة والطويلة التي اكتوت بها المنطقة في نصف القرن الماضي وحتى الآن جاء في بيان " المبادرة الفلسطينية" أننا نعلن هذه المبادرة الوطنية لتعبر عن رأي وطموحات كافة الشرفاء والحريصين على مصلحة الشعب والوطن، والمجمعين على مواصلة النضال العادل من اجل الحرية والاستقلال والكرامة، واستجابة لمطالبات استمرت لسنوات طويلة بهدف إشراك كافة الفلسطينيين والفلسطينيات في الجهد المثابر من اجل تحقيق حريتهم وبناء مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، كما نعلنها من اجل تحقيق البناء الوطني في وجه الاحتلال ومؤامراته وإتاحة الفرصة لكل الفلسطينيين الغيورين على مصلحة وطنهم للمساهمة البناءة والإيجابية بالرأي والمشاركة والعطاء الوطني الكفاحي والاجتماعي من اجل الانتصار في نضالنا العادل وبناء دولة فلسطين الحرة والديمقراطية المزدهرة القادرة على توفير الأمن والعدالة والمساواة أمام القانون والعيش الكريم لمواطنيها.

 

وإذا ما تحدثنا عن توقيت هذه المبادرة فإنها قد جاءت في وقت ينوء فيه المجتمع الفلسطيني تحت أعباء ثقيلة ويواجه خطرا كبيرا بعد أن تبدلت المفاهيم وتم إخراج الثوار والمناضلين عن شرعيتهم وتدمير الاتفاقيات أصبحت بيوتنا وشوارعنا ومؤسساتنا منتهكة على مدار الساعة، من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

 

وهنا يأتي التوقيت المناسب كي يطرح أمام شعبنا طوق النجاة من مشاعر الإحباط وضياع البوصلة في وقت أتصبحنا متهمين في نظر العالم بكل الاتهامات من الفساد حتى الإرهاب في حلقة من التوجهات نحو تصفية حقوقنا وفرض الأمر الواقع وبعد أن ذهبنا بأرجلنا ونتيجة غياب المشاركة وسلبيات الإدارة وغياب استراتيجية عمل موحد نقول ذهبنا إلى النقطة المستهدفة التي تستطيع إسرائيل وأميركا منها أن يطلق على قضيتنا العادلة رصاصة الرحمة لانكشاف الحالة الفلسطينية ومحاصرتها بالتهم للتوافق مع طروحات الدولة المؤقتة والتنازلات المتوقعة في قضيتي اللاجئين والقدس.

 

ومن هنا تأتي الرؤية في برنامج " المبادرة الوطنية الفلسطينية" المطروحة والتي تقول في البيان التأسيسي أننا ننطلق من الإيمان العميق بقدرات الشعب الفلسطيني على الصمود والانتصار في كفاحه وبناء دولته المستقلة ومستقبله وتلبية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، فلشعبنا تاريخ نضالي عريق ولديه مصادر بشرية تضاهي بعملها وخبراتها وطاقاتها الدول المتقدمة.

 

وهنا أبقت المبادرة على التحدي الكبير في كيفية خلق الظروف المناسبة لتفعيل طاقات الشعب وإشراك كافة الفلسطينيين في النضال الوطني والعمل المثابر من اجل مستقبلهم ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بحيث فتحت المبادرة الباب على مصراعيه لكل الطاقات الفلسطينية، وتطالب من كل فلسطيني المشاركة في تطوير البنيان الداخلي واصلاحه من خلال الحوار مع الشعب الفلسطيني نفسه وترغب في إشراك كل الطاقات واستجابة لها وليس استجابة لتأثير الضغوطات الخارجية ومنع التدخل في شؤوننا الداخلية والمحافظة على حيوية شعبنا وقوة التماسك القادرة على المقاومة والكفاح من أجل مطالبه العادلة وكذلك يؤكد البيان على أن يتم تبني استراتيجية واضحة تحقق أقصى درجات الصمود الكفاحي والوطني وإخضاع النشاط التفاوضي للبرنامج الكفاحي لمنع أي ازدواجية في الخطاب السياسي.

 

وقد طالبت المبادرة الوطنية الفلسطينية من جموع المخلصين من أبناء شعبنا المساهمة في تبني وتطوير برنامجها الذي حددته ثماني نقاط أو عناوين هي:

 

أولا: تدعيم البناء الوطني المستقل ومكافحة الفساد وتلبية احتياجات المواطنين.

ثانيا: سيادة القانون واستقلال القضاء وتحقيق الأمن والأمان للمواطنين.

ثالثا: مكافحة البطالة وتشغيل العمال والعاطلين عن العمل.

رابعا: تأمين العيش الكريم والصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وحماية حقوق         المرأة.

خامسا: الكفاح من أجل إطلاق سراح كافة الأسرى والسجناء المعتقلين في سجون الاحتلال.

سادسا: تفعيل دور الجاليات الفلسطينية وأبناء الشعب الفلسطيني في الشتات.

سابعا: تعزيز دور منظمات المجتمع المدني واستقلالها.

ثامنا: مواصلة وتوسيع حملة التضامن الشعبية الدولية مع الشعب الفلسطيني.

 

هذه الخطوط العريضة للبرنامج قد وضعت لها تحت عنوان آلية وتفسيرا لكيفية تحقيقها، ولعل أهم نقاط القوة في طرح أفكار هذه المبادرة أنها جاءت في توقيت مناسب للحالة والحاجة الفلسطينية المتفاقمة لإخراجها من حالة الإحباط والتخبط وفقدان البوصلة.

وثاني عناصر هذه القوة تلك الشخصيات الوطنية القديرة والتي تتمتع باحترام جماهيري فائق على المستوى الوطني والشعبي والعربي والدولي، إضافة إلى عنصر هام من عناصر القوة للمبادرة أنها تقدم نموذجا يبتعد عن النهج السلبي، ومن شخصيات وطروحات بعيدة عن الاتهامات الملفقة لمناضل شعبنا، وهي في نفس الوقت تشكل ولادة جديدة تفوت على الغرب والشرق صفة الاتهام أو الفساد أو الإدارة السيئة للنضال الوطني الفلسطيني ولذلك تحظى باحترام شعبي وعربي ودولي ببرنامجها وشخوصها، لكي لا نبقى في دائرة أغلقت علينا كشعب في خيارين لا ثالث لهما: أما إننا فاسدون أو إننا إرهابيون.

 

والمبادرة تخرج شعبنا من هذه الدائرة وهي خطوة ذكية وقوية ستضيف للكفاح الوطني الكثير.

 

ومن عناصر القوة أيضا أن المبادرة تركت هامشا واسعا للمشاركة وتوسيع الأفكار والآليات، وهي تشكل نواة لتيار ثالث طالما انتظره الجمهور.