الانتخابات الفلسطينية الآن!
بقلم : د. إدوارد سعيد
تموز 2002
هناك ست دعوات منفصلة الي الفلسطينيين للاصلاح واجراء الانتخابات. خمس منها، من المنظور الفلسطيني، بلا فائدة أو معني. فشارون يريد الاصلاح وسيلة لإلحاق المزيد من الدمار بحياة الفلسطينيين، أي ان الاصلاح يشكل متابعة لسياسته الفاشلة القائمة علي التدخل والتدمير الدائمين. انه يريد التخلص من ياسر عرفات، وتقسيم الضفة الغربية الي كانتونات محاصرة معزولة، واعادة فرض سلطة الاحتلال (مفضلاً ان يكون ذلك بمساعدة بعض الفلسطينيين) ومواصلة الاستيطان، وادامة أمن اسرائيل بالطريقة التي مارسها حتي الآن. وهو لا يستطيع ان يري، بعدما اعمته عقدُه النفسية وهلوساته الايديولوجية، أن ذلك لن يأتي بالسلام أو الأمن، ولا بـ الهدوء الذي يكرر الكلام عنه. هذه الخطة الشارونية لا تعطي أي قدر من الأهمية للانتخابات.
الدعوة الثانية تأتي من الولايات المتحدة، التي تريد الاصلاح سبيلاً لمحاربة الارهاب ، ذلك التعبير الفضفاض الذي لا يضع التاريخ أو السياق أو المجتمع في الاعتبار. ولدي جورج بوش كرهٌ غريزي لياسر عرفات، وجهل تام بالوضع الفلسطيني. اضافة الي ذلك ففي القول بأن بوش وادارته المضطربة يريدون هذا الشيء أو ذاك اعتقاد مبالغ بأن هناك فعلاً هدفاً واعياً منظماً لتلك السلسلة المتقطعة من الاندفاعات والتشنجات والبدايات والتراجعات والادانات والبيانات المتناقضة والمهمات العقيمة من جانب هذا المسؤول او ذاك. انه وادارته في تخبط تام، باستثناء عنصر ثابت واحد هو ضغوط ومطالب اللوبي الاسرائيلي واليمين المسيحي، وبوش هو الآن زعيمه الروحي. وليس في سياسة بوش في الحقيقة أكثر من دعوة عرفات الي انهاء الارهاب، وأيضاً (عندما يريد استرضاء العرب) التعبير عن الأمل في أن يقوم طرف ما، يوماً ما، في شكل ما، بعقد مؤتمر للحل واقامة دولة فلسطينية، وان تستمر اسرائيل في الحصول علي دعم أميركي من دون قيد أو شرط، من ضمنه انهاء حياة عرفات السياسية. عدا ذلك لا تزال سياسة الولايات المتحدة بحاجة الي ترسيمها من جانب شخص ما، في مكان ما، في شكل ما. وعلينا ان نضع في فكرنا دوماً ان قضية الشرق الأوسط شأن أميركي داخلي وليس خارجياً، وبذلك فهي تخضع لديناميات اجتماعية سياسية يصعب التنبؤ بمجراها.
كل هذا يتماشي تماماً مع هدف اسرائيل، التي لا تريد سوي ان تجعل حياة الفلسطينيين أكثر تعاسة واستحالة، سواء عن طريق الغارات العسكرية أو الشروط السياسية التعجيزية المتوافقة مع هوس شارون بالقضاء المبرم علي الفلسطينيين. هناك بالطبع اسرائيليون ويهود اميركيون يريدون التعايش مع دولة فلسطينية، لكن ليس لأي من هذين الطرفين حالياً دور في صنع القرار. اللاعبان الوحيدان علي الساحة هما شارون وادارة بوش.
ثالثاً، هناك الاصلاح الذي يطالب به القادة العرب، وأري ان هذه الدعوة مكوّنة من عدد من العناصر، ليس في أي منها نفع مباشر للفلسطينيين. العنصر الأول هو خوف هؤلاء القادة من شعوبهم التي تشاهد يوماً بعد يوم التدمير الاسرائيلي الشامل للأراضي الفلسطينية من دون تدخل جدي أو محاولة للردع من جانب العرب. وكانت خطة السلام التي قدمتها قمة بيروت هي بالضبط ما سبق لشارون أن رفضه، أي مبدأ الأرض مقابل السلام، وهي اضافة الي ذلك مقترح من دون أسنان، ناهيك عن انه لم يرتبط بجدول زمني. وقد يكون من المفيد أن نضع المشروع العربي علي السجل مقابل العدوان الاسرائيلي الفاضح، لكن علينا ان لا نتوهم أنه (والدعوة الي الاصلاح) أكثر من خطوة رمزية تهدف الي تهدئة غضب الشعوب ونفورها التام من خمول الحكام وسلبيتهم. ثانياً، هناك تضايق غالبية الأنظمة العربية من القضية الفلسطينية ككل. اذ يبدو ان ليس لهذه الأنظمة مشكلة ايديولوجية تجاه اسرائيل كدولة يهودية من دون حدود معلنة تحتل القدس والضفة الغربية وغزة عسكرياً منذ 35 سنة، أو تجاه سلبها الشعب الفلسطيني. انها مستعدة للتعايش مع هذا الظلم الفادح، ولا تريد من عرفات وشعبه سوي التزام حسن السلوك أو مغادرة المشهد بأكثر ما يمكن من الهدوء. العنصر الثالث في هذه الدعوة الي الاصلاح هو بالطبع محاولة القادة العرب لإرضاء أميركا والتسابق علي موقع الحليف الأهم لها. وربما لا يدري هؤلاء مدي جهل غالبية الأميركيين واستخفافها بأوضاعهم السياسية وثقافتهم.
الصوت الرابع في جوقة دعاة الاصلاح هو الأوروبيون. لكنهم لا يفعلون سوي التراكض هنا وهناك وارسال الوفود لمقابلة شارون وعرفات واصدار البيانات الرنانة من بروكسيل وحفنة من المشاريع - والسبب وقوعهم تحت ظل أميركا الثقيل.
خامساً، اكتشف ياسر عرفات وبطانته فجأة فضائل الديموقراطية والاصلاح. واذ اعرف انني اتكلم من مكان بعيد عن ساحة الصراع، واعرف أيضاً كل الحجج عن عرفات المحاصر باعتباره رمزاً قوياً للمقاومة الفلسطينية ضد العدوان الاسرائيلي، لكنني وصلت الي الاقتناع بأن أياً من هذا لم يعد يعني شيئاً. ان هم عرفات ينحصر بانقاذ نفسه. لقد اتيح له نحو عشر سنوات لإدارة مملكته الصغيرة ولم يجلب لها ولنفسه الا الادانة والازدراء، واصبحت السلطة الوطنية مضرب المثل في الوحشية والتسلط والفساد الذي لا يعرف حداً. ولا يمكن ان نفهم لماذا يعتقد أي شخص في هذه المرحلة ولو للحظة انه يستطيع التصرف في شكل مختلف، او أن حكومته المختصرة الجديدة (التي تسيطر عليها الوجوه القديمة نفسها المثقلة بالفشل والفساد) ستأتي بالاصلاح المنشود. انه يقود شعباً طال عذابه، وعرّض ذلك الشعب خلال السنة الأخيرة الي مستويات من الألم والمصاعب لا يمكن القبول بها، وذلك بسبب افتقاره الي خطة استراتيجية واعتماده الذي لا يغتفر علي رحمة اسرائيل والأميركيين من خلال أوسلو. وليس من بين مهمات قادة حركات التحرر الوطني تعريض شعبهم الأعزل لوحشية مجرمي حرب مثل شارون، من دون دفاع أو تحضير مسبق. لماذا اذاً اثارة حرب يكون اكثر ضحاياها من الابرياء عندما لا تتوفر عندك القوة العسكرية لخوضها أو القدرة الديبلوماسية علي انهائها؟ لقد فعل عرفات ذلك ثلاث مرات، في الأردن ولبنان والضفة الغربية، ويجب ان لا يُعطي فرصة التسبب بكارثة رابعة.
واعلن عرفات عن اجراء الانتخابات مطلع السنة المقبلة، لكن همه الأساسي هو اعادة تنظيم الأجهزة الأمنية. وكنت أشرت مراراً في عمودي هذا الي أن هدف هذه الاجهزة هو خدمته وخدمة اسرائيل، لأن اتفاقات أوسلو قامت علي صفقته مع الاحتلال الاسرائيلي. ان ما يهم اسرائيل في الدرجة الأولي هو أمنها، وقد جعلت عرفات مسؤولاً عنه (وقد وافق علي ذلك عليه مبكراً في 1992). خلال ذلك استعمل الأجهزة الأمنية الـ15 أو الـ19 - مهما كان العدد - ضد بعضها بعضاً، وهو التكتيك الذي طوّره في الفاكهاني، بالرغم من الضرر الذي يلحقه بالمصلحة الوطنية. ولم يحاول حقيقة لجم حماس و الجهاد الاسلامي ، وهو ما كان مناسباً تماماً لاسرائيل لأن تفجيراتهما الاستشهادية - الانتحارية (اللاعقلانية) توفر لاسرائيل ذريعة مباشرة لمعاقبة الشعب بأجمعه. واذا كان هناك شيء آخر يضارع الضرر الذي ألحقه نظام عرفات الهدام بقضيتنا فهو تلك السياسة الكارثية في قتل المدنيين الاسرائيليين، التي تعطي برهاناً اضافياً للعالم بأننا ارهابيون وأن حركتنا لا اخلاقية. ولا يستطيع أحد ان يقول ما هي المكاسب التي أتت بها هذه السياسة.
وهكذا لم يكن عرفات، بعدما عقد الصفقة مع الاحتلال في أوسلو، في موقع يمكنه من قيادة حركة لمقاومة الاحتلال. والمفارقة انه يحاول الآن عقد صفقة جديدة لانقاذ نفسه والبرهنة لاسرائيل وأميركا والعرب الآخرين انه يستحق فرصة اخري. أنا شخصياً لا اهتم مقدار ذرة برأي بوش أو قادة العرب أو شارون بعرفات، بل يهمني رأينا كشعب بقائدنا، واعتقد ان علينا أن نوضح بما لا يقبل الشك رفضنا التام لمشروعه للاصلاح والانتخابات واعادة تنظيم الحكومة وأجهزة الأمن. ان سجله الحافل بالفشل واداءه المتزايد الضعف والتفكك يجب ان يمنعا اعطاءه فرصة اخري لانقاذ نفسه والعودة الي المحاولة.
سادساً وأخيراً، هناك الشعب الفلسطيني الذي يطالب محقاً بالاصلاح والانتخابات، وهي في رأيي المطالبة الوحيدة المشروعة من بين الأنماط الستة التي قدمتها في هذه المقالة. ومن المهم في هذا السياق ان نذكّر بأن ادارة عرفات الحالية والمجلس التشريعي قد تجاوزا فترتهما المحددة، التي كان عليها ان تنتهي في 1999 بالتزامن مع انتخابات جديدة. اضافة الي ذلك، كانت اتفاقات أوسلو الأساس الذي أجريت عليه الانتخابات السابقة في 1996، التي لم تتجاوز كونها ترخيصاً لعرفات وجماعته لادارة نتف من الضفة الغربية وغزة نيابة عن الاسرائيليين، من دون سيادة أو أمن حقيقيين، لأن اسرائيل استمرت في السيطرة علي الحدود والأمن والأرض (حيث ضاعفت المستوطنات ثلاث مرات) والماء والأجواء. بكلمة اخري، لم يعد هناك وجود للأساس السابق للانتخابات والاصلاح، بعدما أصبحت أوسلو باطلة ولاغية. وكل محاولة للسير علي أساس من هذا النوع لا تعدو ان تكون خدعة ومضيعة للوقت ولن ينتج عنها اصلاح أو انتخابات حقيقية. من هنا الاضطراب الحالي في الوضع الذي يثير لدي الفلسطينيين في كل مكان مشاعر الحنق والاحباط المرير.
ما العمل اذاً مع زوال الأساس السابق للشرعية الفلسطينية؟ المؤكد ان ليس هناك امكاناً للعودة الي أوسلو، أو الي حكم القانون الأردني أو الاسرائيلي. وعليّ أن اشير، كواحد من دارسي مراحل التغير التاريخي المهمة، أن حدوث انقطاع تاريخي رئيسي (كما خلال المرحلة بعد سقوط الملكية بسبب الثورة الفرنسية، او انهيار نظام العزل العنصري في جنوب أفريقيا قبل انتخابات 1994) يعني خلق أساس جديد للشرعية من جانب المصدر النهائي الوحيد للسلطة، أي الشعب نفسه. ويعني هذا ان علي الأطراف الرئيسية في المجتمع الفلسطيني، تلك التي تقوم عليها حياته، مثل النقابات والمعلمين والمزارعين والمحامين والأطباء، مع الكثير من المنظمات الغير حكومية، أن تصبح الآن الأساس الذي يقوم عليه الاصلاح، بالرغم من غارات اسرائيل المتواصلة والاحتلال المستمر. ويبدو لي ان لا فائدة في انتظار قيام عرفات أو أوروبا أو أميركا بذلك، بل يجب عمله من جانب الفلسطينيين انفسهم من خلال مجلس تأسيسي يشمل كل العناصر الرئيسية في المجتمع الفلسطيني. وليس من أمل في النجاح في اعادة تنظيم المجتمع وانتشاله من ظروف التخبط والدمار الحالية إلاّ من خلال مجموعة كهذه يشكلها الشعب نفسه. المسؤولية الرئيسية لهذا المجلس اقامة هيكلية للنظام تقوم بمهمتين: الأولي ادارة الحياة الفلسطينية في شكل منظم بمشاركة كل الأطراف الفاعلة، والثانية اختيار لجنة طواريء تنفيذية مهمتها انهاء الاحتلال وليس التفاوض معه. من البديهي اننا لسنا انداداً لاسرائيل من الناحية العسكرية، اذ ليس للكلاشنيكوف من فاعلية ازاء الميل الهائل في ميزان القوي. وما نحتاجه هو اسلوب كفاحي خلاّق يعبيء كل الطاقات البشرية المتاحة لتسليط الضوء علي كل أوجه الاحتلال الاسرائيلي (مثلاً، المستوطنات والطرق الموصلة بينها والحواجز ونسف المساكن) وعزله وبالتالي جعله تدريجاً غير مقبول. ان المجموعة الحالية حول عرفات، في فشلها الشامل وفسادها، أبعد ما تكون عن التفكير في استراتيجية كهذه، ناهيك عن وضعها موضع التنفيذ.
ولا شك أيضاً ان فاعلية استراتيجية فلسطينية كهذه تتطلب وجود قطاع اسرائيلي من أفراد ومجموعات بأرضية مشتركة للكفاح ضد الاحتلال. فقد كان الدرس العظيم من الكفاح ضد العنصرية في جنوب أفريقيا الرؤية التي التزمتها باصرار كل اطرافه لمجتمع متعدد الأعراق. ان كل ما نراه من اسرائيل اليوم هو العنف والعزل القسري ومواصلة اخضاع الفلسطينيين لفكرة التفوق اليهودي. وهذا بالطبع ليس موقف جميع الاسرائيليين، لكننا نحن المسؤولين عن طرح مبدأ التعايش بين دولتين بعلاقات طبيعية علي أساس السيادة والمساواة. لقد فشل التيار الرئيسي في الصهيونية في تقديم رؤية كهذه، ولذا يجب ان تأتي من الفلسطينيين وقادتهم الجدد، الذين يجب المباشرة في اقامة شرعيتهم الآن، في هذه اللحظة التي ينهار فيها كل شيء ويتلهف الكل الي اعادة صياغة فلسطين حسب منظوره لها.
انها اللحظة الأسوأ في تاريخنا، وهي حاسمة. فالنظام العربي يستمر في تخبطه، ويسيطر اليمين المسيحي واللوبي الاسرائيلي علي الادارة الأميركية (من الأمثلة نجاح شارون خلال زيارته الأخيرة في ان ينسف خلال 24 ساعة كل ما بدا ان بوش اتفق عليه مع الرئيس مبارك)، فيما وصل مجتمعنا الي حافة الدمار بفضل سوء القيادة وجنون الاعتقاد بأن التفجيرات الانتحارية ستقود فوراً الي دولة فلسطينية اسلامية. هناك دوماً الأمل في المستقبل، لكن علينا البحث عنه وتحديده في الشكل الصحيح. ومن الواضح، في غياب أي سياسة اعلامية فلسطينية عربية في الولايات المتحدة (خصوصاً تجاه الكونغرس)، استحالة خداع انفسنا بأن وزير الخارجية باول أو الرئيس بوش علي وشك تقديم حل ينقذ الوضع. من هنا أصرّ علي القول ان الجهد يجب ان يأتي منّا، وبقدراتنا الذاتية، ولأجلنا. انني احاول، علي الأقل، اقتراح مقاربة مختلفة. فمن غير الشعب الفلسطيني يمكنه اقامة الشرعية المطلوبة لحكم نفسه والكفاح ضد الاحتلال بأسلحة لا تقتل الأبرياء وتسبب هذا التراجع الذي لا سابق له في دعم العالم لنا؟ فمن الممكن تخريب قضية عادلة بأساليب شريرة أو قاصرة أو فاسدة. وكلما أسرعنا في استيعاب هذا الدرس ووضعه موضع التنفيذ كلما توفرت لنا فرصة أفضل لاخراج انفسنا من المأزق الحالي.