إن
عدم نجاح، كي لا نقول فشل، المباحثات الفلسطينية/ الفلسطينية في القاهرة بالتوصل
إلى اتفاق مشترك حدث بارز ستكون له تداعياته على أكثر من صعيد. ونحن، اليوم، سنقصر
الحديث على تداعيات الصعيد الفلسطيني. بل سنركز على بعد واحد، لكنه حاسم، ونقصد
بذلك البعد الشعبي. وهذا الأخير، رغم صلته أيضا بالفصائل والحركات الفلسطينية
المختلفة، فإننا سنتعامل معه على نحو "منفصل" مركزين على القوى
غيرالحزبية/الفصائلية/الحركية السياسية في أوساط الشعب الفلسطيني. أي أننا سنركز
على قوى المجتمع المدني وغير ذلك من تجمعات شعبية، أو أفراد أو شخصيات مستقلة.
وبطبيعة الحال، سيدخل في ذلك كله كوادر وعناصر "وجماهير" هذا
الفصيل/الحزب/الحركة فليس كل كادر أو عنصر أو غيره في هذه القوى السياسية المنظمة
راض بالضرورة دائما عن تلك التنظيمات، وبخاصة عندما لا تنجح في التوصل إلى صيغة
وحدة وطنية فاعلة في مرحلة حرجة كهذه التي نعيش. فإنقاذ الحلم الوطني الفلسطيني
بات أخطر من أن يترك للتنظيمات السياسية وحدها مع احترامنا الشديد لها ومع تقديرنا
الكبير لدورها. وبعبارة أخرى، بات من الضروري أن تسمع تلك التنظيمات صوت
"الأغلبية الصامتة" و/أو الغائبة أو المغيّبة! وفي هذا السياق، يأتي
الحديث عما بات يعرف باسم "المبادرة الوطنية الفلسطينية". فما هي هذه
"المبادرة" وما هي أهدافها؟ وما هي آليات عملها المقترحة؟
***********
يوم
السابع عشر من حزيران/يونيو 2002، أعلن الدكتور حيدر عبد الشافي والدكتور مصطفى
البرغوثي والمهندس ابراهيم الدقاق، في وقت واحد، عن المبادرة الوطنية الفلسطينية
للنهوض بالشعب الفلسطيني باعتبارها "منبرا يعبر عن طموح وآمال وأفكار وصوت من
لا صوت لهم". وسرعان ما انضم إلى هذه "المبادرة" عديد من الفعاليات
الفلسطينية. وحتى تاريخه، تجاوز عدد الموقعين (سياسيون وأساتذة جامعة ومحامون
وكتاب وصحافيون) المئات … والحبل على الجرار! وجوابا عن السؤال الثلاثي المركب: ما
هي المبادرة؟ ومن هم المبادرون؟ وما هو دورهم؟ جاء الجواب على نحو كبسولي من
المناضل ابراهيم الدقاق الذي كتب يقول: المبادرة حركة تحريضية – دينامية –
ديمقراطية تتجاوب مع حاجة الإنسان الفلسطيني. والمبادرون هم كل فرد أو جماعة أو
تنظيم اجتماعي أو سياسي يسعى إلى التغيير إلى الأفضل. والمبادرة بهذا الفهم ليست
فصيلا سياسيا إضافيا، بل هي محرض للقوى الاجتماعية والسياسية ودعوتها لاستعادة
دورها الاجتماعي. وهي فضلا عن ذلك حركة تحريض ضد الحرمان – حرمان الفلسطيني من
حماية الأرض والعرض، وحماية الذات الوطنية، والمشاركة في صناعة القرار ومراقبة
تنفيذه، ومساءلة الموكل إليهم التنفيذ، مهما كان مقامهم ولونهم الاجتماعي
والسياسي". أما الدكتور عبد الشافي، فقد كتب يقول: المبادرة جاءت للنهوض
بالشعب الفلسطيني وحماية تضحيات الانتفاضة عبر تنظيمها وإخراجها من حالة العفوية
والفوضى التي تعيشها .. وهي تهدف إلى تقوية قدرات الشعب وتمتين وحدته الوطنية وتعميق
التزامه بمشروعه الوطني … والاستثمار الفعال لطاقاته لتحقيق أهدافه في مقاومة
وإنهاء الاحتلال وكنس الاستيطان، وبناء هياكل الدولة الفلسطينية المستقلة بحيث
تكون دولة المؤسسات والمساواة والقانون والمساءلة والكفاءة". أما الدكتور
البرغوثي فقد لخص المطلوب بقوله: إن ما نحتاجه … هو نهج مختلف، نهج يضع نصب عينيه
رؤية استراتيجية موحدة وموحّدة. نهج يعيد تجميع طاقات الشعب الفلسطيني ويحيي دور
مؤسساته الكفاحية وفي مقدمتها منظمة التحرير، ويضع أسس تفعيل طاقاته في الداخل
والخارج حول الهدف الوطني في الحرية والاستقلال. ما نحتاجه قيادة وطنية
موحدة".
************
أما
الهدف العريض للمبادرة –حسبما جاء في وثائقها- فيركز على ضرورة تفعيل طاقات الشعب
الفلسطيني وتنظيمها للوصول إلى تحقيق السلام العادل بإنهاء الاحتلال والاستيطان
وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة وكاملة السيادة بعاصمتها القدس على
كامل الأراضي المحتلة عام 1967، وحماية وصون حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة
إلى ديارهم وتطبيق قرارات الشرعية الدولية. ولعل أبرز ما في "المبادرة"
أنها تقدم "الرؤية الفلسطينية" التي تنطلق –كما تقول الوثائق ذاتها- من
الإيمان العميق بقدرات الشعب الفلسطيني على الصمود والانتصار في كفاحه وبناء دولته
المستقلة ومستقبله وتلبية حقوق اللاجئين الفلسطينيين. (حيث أن للشعب الفلسطيني)
مصادر بشرية تضاهي بعلمها وخبراتها وطاقاتها الدول المتقدمة، ويبقى التحدي في
كيفية خلق الظروف المناسبة لتفعيل طاقات الشعب وإشراك كافة الفلسطينيين … ووضع
الإنسان المناسب في المكان المناسب. وهذه الرؤية المقترحة تنطلق من الثقة (بالقدرة
على) التطوير والإصلاح الحقيقي، وأن المطالبة بالتغيير الإيجابي واجب على كل
مواطن". ومن الواضح أن "المبادرة" حريصة على رفض "الرؤية
الخارجية"، سواء كانت إسرائيلية أم غربية، مؤكدة على العلاقة الجدلية ما بين
الجهاد الأكبر 000 والجهاد الأصغر، ما بين معركة التحرر الوطني 000 والبناء
الوطني، على قاعدة قوامها أن "الهدف الأسمى هو تحقيق الحلم الفلسطيني في بناء
وطن مستقل وفي ممارسة مواطنة حقيقة كاملة الحقوق والواجبات".
************
أما
عن الأهداف المحددة للمبادرة فتنتظم ضمن ثمانية عناوين، لكل عنوان منها محاوره
الواضحة التي لا بد –في حالة رغبة المهتم في الاستزادة – العودة إلى أدبيات
"المبادرة" كما هي مثبتة على صفحة الانترنت الخاصة بها (www.almubadara.org) أما العناوين فهي:
1-
تدعيم البناء الوطني المستقل وتلبية احتياجات المواطنين.
2-
سيادة القانون واستقلال القضاء وتحقيق الأمن والأمان
للمواطنين.
3-
مكافحة البطالة وتشغيل العمال والعاطلين عن العمل.
4-
تأمين العيش الكريم والصحة والتعليم والضمان الاجتماعي
وحماية حقوق المرأة.
5-
الكفاح من أجل الإفراج عن كافة الأسرى والسجناء المعتقلين
لدى الاحتلال.
6-
تفعيل الجاليات الفلسطينية وأبناء الشعب الفلسطيني في
الشتات.
7-
تعزيز منظمات المجتمع المدني واستقلاليتها ودورها وتكريس
الديمقراطية والشفافية في عملها.
8-
توسيع حملة التضامن الشعبية الدولية مع الشعب الفلسطيني
ونضاله العادل، بعد أن أثبتت الأحداث الأهمية الحاسمة لكسب التأييد العالمي للقضية
الفلسطينية.
************
وختاما،
يقول المبادرون بتواضع: إننا نطرح هذا البرنامج ليس بصفته وصفة نهائية، هو مفتوح
دون حدود للتطوير والإغناء والإضافات، حتى يصبح رافعة فعالة في بناء حركة وطنية
ديمقراطية واسعة تقوم بواجبها في خدمة أهداف الشعب الفلسطيني، استنادا إلى الخبرات
الوطنية، والقوى الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسسات الشعب
الفلسطيني الرسمية والمدنية 000 إن وحدة الشعب الفلسطيني وتماسكه وتعاون قواه
الوطنية ومؤسساته في إطار استراتيجية موحدة هي الأمر الملح. … إننا ندعوكم إلى
المساهمة في إغناء هذا البرنامج والانضمام لهذه المبادرة الوطنية (من خلال) موقع
"المبادرة:
www.almubadara.org>