لقد طفح الكيل

 

بقلم د. خالد السيفي

 

*نشرت في جريدة الأيام - 31 آب 2002

 

 

لقد طفح الكيل- قالها د. حيدر عبد الشافي في مداخلته يوم المؤتمر الصحفي الذي عقده كل من د.مصطفى البرغوثي والمهندس إبراهيم الدقاق  في رام الله بتاريخ 17/6/2002, لإطلاق "المبادرة الوطنية الفلسطينية للنهوض بالشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال ومن أجل العدالة والنزاهة والعيش الكريم".

 

فلماذا يا ترى طفح الكيل؟!

 

إذا بادرت بسؤال من يعرف شجر الزيتون جيدا وسألته عن سوء المحصول وقلة الحب، يجيبك -وهو يشير إلى الجذور- عن قلة الخدمة، ويقصد أنه لم يحرث ولم يسمد ولم يعشب،  نعم وهو يشير إلى الجذور.

 

ولكي افهم أنا لماذا طفح الكيل -كرجل يحترم العقل والمنطق والعلم بحكم دراسته، مع أن الرجل المسن كان أبلغ من أي منطق وأي علم-, كان لا بد لي من الاستعانة بمفاهيم التخطيط الاستراتيجي والرجوع إلى أسسها البسيطة المعروفة لدى الجميع وهي:

1.        تحديد الذات والهوية لتعريف المهمة أو الرسالة.

2.        تحديد أدوات التطبيق المستندة إلى الإمكانيات والموارد.

3.        تحديد المؤشرات التي تشكل البوصلة الضرورية للتأكد من كوننا على المسار الصحيح.

 

ربما كانت عبارة "طفح الكيل" تعبيرا عن كفانا حيدا عن المسار.

 

الإجابة على لماذا طفح الكيل تبدأ من البند الأول الذي يبحث في تعريف الهوية والذات كنقطة الانطلاق في أي مشروع -ولا سيما المشروع الوطني الفلسطيني الذي بلغ عمره 51 عاما وهو ما زال يتعثر بين الاتفاقات واللجان والمفاوضات-، ومن ثم تحديد الرسالة أي الخطاب السياسي الذي ما زال محيرا ومزدوجا، وتحديد الغايات التي نود الوصول إليها والأهداف الوطنية ذات العلاقة، هذه التي لا نعرف سقفا لها، فمرة اوسلو وتارة غزة أولا وأريحا ثانيا أو بيت لحم، وأخرى دولة شبه مؤقتة أو مع وقف التنفيذ ومع حسن سلوك أو بدونه.

 

البند الأول (تحديد الذات والهوية) يجب أن يتم تحت مظلة إحداثيات الواقع الفلسطيني، ضمن الزمان والمكان، والمحيط من مراكز قوى ومصالح استراتيجية وتحالفات وتهديد للأمة من هنا ومن وراء البحار.

 

 ولأن التشخيص قبل العلاج كما في الطب، ودراسة الموقع ورسم الخارطة قبل البناء في الهندسة، وامتحان القبول ودراسة المستوى قبل وضع البرامج في التعليم . فإنه لا يمكن أن نخوض في الخطاب السياسي الذي من المفترض أن يكون منسجما مع أهداف النضال الوطني الفلسطيني قبل تحقيق  الشق الأول من البند الأول،  وهو معرفة ووعي الذات للإجابة على سؤال من نحن، وكيف نقدم أنفسنا للآخرين.

  

بعد التشخيص نضع برنامجنا النضالي، ومنه يسهل اشتقاق الأساليب، التي بالضرورة ستراعي الإمكانيات والموارد. ثم نتدرج إلى  حساب العوامل الداعمة والمعيقة من جهة، والفرص المتاحة والمهددات القائمة من جهة أخرى.

 

عودة إلى الرسالة أو المهمة في سياق ما تقدم, فنحن مطالبون بتعريف  من نحن: أحركة تحرر وطني أم دولة!؟ وهل بقي من معالم الدولة ما يدعونا أن نسميها دولة؟ فالشعب مشتت، والسيادة معتقلة، والحدود متآكلة، والأرض صودرت، والسماء أغلقت، والماء سرق، والهواء منع. ولأن الدولة مثل الجسم -ومثل أي نظام مفتوح- يدخل في علاقات مع ذاته داخليا ومع محيطه خارجيا، فأين العلاقات داخليا في وطن تقطعت أوصاله وأين العلاقات خارجيا لوطن حوصر برا وبحرا وجوا. فهل توافقونني أننا لم نصبح  دولة؟!

 

لكن البعض يبدو احيانا كانه نسي اصله- منظمة التحرير الفلسطينية –وطابعنا الاساسي كحركة تحرر وطني فحركة تحرر لا يقودها وزراء ، ولا تمتلك احتكارات, ولا تكون أجهزتها الأمنية مكشوفة... وأخيرا، أي حركة تحرر يكون لها ميثاق.

 

إذا من نحن أو ماذا نحن!؟

 

 من هنا تأتي أهمية المبادرة الوطنية الفلسطينية أو غيرها  في استنهاض الأمل، وشحذ همم من أدرك أننا لا هذه ولا تلك.

ودعت المبادرة أن ارجعوا:

1.        إلى الجذور حالا, الى طابعنا كحركة تحرر, الى انعاش واحياء منظمة التحرير وحركة التحرر

2.        إلى إصلاح وبناء ما يمكن ما فوق الجذور فورا.

 

فبعد الحديث عن الثوابت والحلم الفلسطيني الذي لا خلاف عليه انتقلت المبادرة للحديث عن إنشاء قيادة وطنية موحدة لمنع استمرار الانهيار الحاصل في البنى والمؤسسات والأجهزة، ولوضع استراتيجية المقاومة ولتحسين الأداء التفاوضي وهذا برأيي إصلاح ما يمكن إصلاحه.

 

 ومن ثم أسهبت في الحديث عن أفكار البناء المقاوم وتدعيم الصمود في الاتجاهات المتعددة، وهذه دعوة للجذور التي لا يختلف عليها أحد فمن ليس مع النهوض والاعتماد على الذات؟ ومن ليس مع الحرية والاستقلال؟  ومن ليس مع العدالة والنزاهة والعيش الكريم؟ ومن ليس مع دعم الفقراء والمحتاجين؟ ومن لا يؤيد الإفراج عن الأسرى والمعتقلين؟ ومن ضد سيادة القانون والمساواة واستقلال القضاء وتحقيق الأمن والأمان للمواطنين؟ ومن ضد تأمين العيش الكريم والصحة والتعليم والضمان الاجتماعي؟ ومن ضد عودة اللاجئين؟؟!

 

هذه مفاهيم بسيطة، لكنها أساسية حضارية وعلمية وأصيلة وقديمة وحديثة، لا يمكن تأجيلها تحت أي ظرف أو سبب كان. وكما أن القوانين الطبيعية للفيزياء والرياضيات والكيمياء تقع في صلب التوازن البيئي للطبيعة (ظواهر البراكين وتبدل الفصول والتنوع المناخي واختلاف أنواع النبات والحيوان) فإن جملة المبادئ الأساسية المذكورة في المبادرة هي الكفيلة بالحفاظ على توازن وتطور ليس المجتمع الفلسطيني وحده بل جميع المجتمعات قاطبة.

 

الفرق الوحيد أن قوانين الطبيعة خارجة عن إرادة الإنسان (الحمد لله)، أما في المجتمع فهي ضمن دائرة تأثيره، إن أحسن استعمالها صلح وإن خالف هلك. وأعتقد أن المجتمع الفلسطيني أحوج الأمم بتبني تلك المبادئ للخروج من آخر احتلال على وجه البسيطة. هذا الاحتلال الذي تبدل وتوسع عبر اتفاقيات ومحادثات لا ندري لها آخر.

 

 من أجل تحقيق تعريف الذات والهوية، ومن أجل الحرية والاستقلال والسيادة يجب أن ننهض، ونبادر، ونتمسك ونمارس جملة المفاهيم الأساسية تلك ونوحد جهودنا بدل مواصلة الطعن ببعضنا البعض .

 

فلنجعل دراستنا مقاومة، وصحتنا نضالا، والإفراج عن أسرانا هدفا، وتشغيل العاطلين عن العمل تكاملا، وقوت أبنائنا طاقة، وقضاءنا رمزا، وعدالتنا سلاحا، وانتخاباتنا ملحمة، وصوتنا طلقة، وجامعاتنا ميدانا، وأمننا كرامة، وأرضنا عزة.  وما حك جلدك غير ظفرك، وصدق من قال " لقد طفح الكيل".

 

 

مقالات أخرى