لقاء مع حيدر عبد الشافي

بقلم: د. إياد السراج*

اللقاء مع حيدر عبد الشافي دائماً كامل الدسم يثير الفكر ويجدد الشباب، فمع أن الرجل بلغ الرابعة والثمانين من عمره إلا أن عيونه وقسمات وجهه ما زالت تنبض بالحيوية والدفء. كريم دون تكلف، ومتواضع دون تصنع أو محاولة لكسب المودة أو العطف كما يفعل بعض الزعماء.. قليل الكلام، صريح الإجابة، لا يخش من أصحاب السلطة والصولجان على مر العهود فهو مرتاح مع نفسه وضميره.

اختلف معه دائماً ولا تمض جلسة دون نقاش وجدال.. ولكنه يفرض الاحترام والهيبة على من يحدثه من فرط صدقه والتزامه بالكلمة..

وحيدر عبد الشافي يتسامى فوق الأزمة التي تواجه الكثير من المثقفين الذين يريدون الاصطفاف في خدمة العلم ولكنهم يتطلعون إلى المناصب والغنائم، فتشبع السلطات بطونهم وتتركهم على هامش الحياة أو تحاول احتوائهم. فأصبح الرجل رمزاً للضمير الوطني بصموده أمام إغراءات السلطة وعناده في الإصرار على المصلحة الوطنية قبل المصلحة الذاتية.

سألت حيدر عبد الشافي "أبو خالد" عن رأيه في الهدنة الفلسطينية الإسرائيلية فأجاب دون تردد بأنها قد تكون "كارثة"، وحين رأى الاستغراب على وجهي.. شرح بأن الهدنة ستكون كذلك إذا أدت إلى بقاء الوضع على ما هو عليه وأنه يؤيد الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة ضد الاحتلال وضد الاستيطان وحين قلت له أن الناس قد وصل بهم الحال إلى قرب الانهيار أجاب بأن ذلك هو مسئولية السلطة الفلسطينية إن أرادت أن تحمي شعبها وتدعم صموده فالمعركة طويلة..

..وأضاف "ولكن المشكلة هي أن السلطة لم تكن تريد أن تسمع حين كنا نعترض ونضع أمامها التحديات والأفكار "قلت لهم يوماً في أوائل الانتفاضة أنها معركة طويلة وأنه لا بد من تنظيم الانتفاضة وأن يكون هناك قيادة موحدة، ولكنهم لم يردوا -لأسباب شخصية أو حزبية- واستمر أبو خالد.."وقلت لهم في جميع الفصائل إن القيادة الموحدة ضرورة قصوى لاستمرار النضال ولكنهم جميعاً لم يكونوا يريدون–وقلت لهم أيضاً أني لا أوافق على العمليات الاستشهادية في داخل إسرائيل لأنها أضرت بنا وأعطت المبرر لإسرائيل لضربنا وتهديم بيوتنا وقتل أولادنا بالجملة واعتقالهم..وإنه لو كان لدينا قيادة موحدة فإنه لم يكن يجوز لأحد الفصائل الخروج عن الإجماع الوطني الذي يقرر وحده وسائل النضال".

سألته عن رأيه في حكومة "أبو مازن".. قال أبو خالد "انه كان من الطبيعي أن يتم توزيع المسؤوليات وأن يكون هناك حكومة جديدة وهو يؤيد ذلك لكنه أضاف "ولكني لا أريد الحكم الآن، وعلينا أن ننتظر لنرى مدى جدية هذه الحكومة وما الذي تستطيع إنجازه"، ولكنه سعيد بتعيين نائب عام نزيه ومشهود له بالكفاءة وبوزير المالية الذي أنجز الكثير، وهو دليل جيد على توجه إصلاحي جدي لهذه الحكومة.

سألته عن رأيه في انسحاب إسرائيل من غزة وبيت لحم.. فضحك قائلاً "أي انسحاب هذا الذي تتحدث عنه.. إن الانسحاب الوحيد الذي أجبرت إسرائيل عليه كان في سنة 56 حين أمر الرئيس الأمريكي أيزنهاور رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت –ديفيد بن جوريون- بالانسحاب فوراً من قطاع غزة. وخرجنا من بيوتنا في ساعات الصباح يوم السابع من مارس سنة 57 لنكتشف أن الاحتلال الإسرائيلي بجنوده ودباباته ومجنزراته قد اختفى خلال الليل.. "

وبحسرة شديدة يقول حيدر عبد الشافي "لم يحدث منذ ذلك الوقت أن حظي العالم برئيس مثل ذاك الرئيس الأمريكي الذي يتفكه عليه المعلقون بأنه كان "قابضها جد" ولأنه كان يتمتع بأخلاق وفضيلة لا تتمشى مع من يريد ركوب السياسة والسياسيين.."

ما العمل..؟ سؤال يؤرق حيدر عبد الشافي منذ صباه وشبابه وكل حياته وهو يجاهد ويكابد هذه الحياة الفلسطينية في ظل الاحتلال وقبل ذلك منذ النكبة... وكابد الاعتقال والإبعاد لكنه كان دائماً صلباً لا يلين ومنتصراً بإيمانه بالعدالة.. وهو مازال مصراً على أن العمل يبدأ بالعقل وليس بالعواطف وأن الوحدة الوطنية منهاج الكفاح ... أبو خالد يدعو إلى أن تكون شعاراتنا منطقية وقابلة للتحقيق، ولا يوافق على إطلاق القذائف الكلامية مثل "من البحر إلى النهر" فكل كلمة يجب أن يكون لها حساب ولا يجوز الانجرار وراء الأوهام .. وأن على الفلسطينيين أن يبدءوا في تنظيم أنفسهم "فغياب النظام وغياب الأخلاق" هو سبب الهزيمة، وحين نمتلك النظام والأخلاق فإننا نبدأ مسيرة التحرير...وانها مسيرة طويلة ولا بد أن ترتكز على الإقناع بأن الصمود هو طريق السلام العادل الذي يستند على القرارات الشرعية الدولية ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة حرة خالية من الاستيطان الإسرائيلي ومؤكد على حق العودة..

الحديث مع أبو خالد به شجون ويتفرع مثل مجرى النهر العريض إلى أخاديد الذكريات.. منذ النشأة الأولى في الخليل.. والحياة في ظل الاستعمار البريطاني.. والمقاومة الفلسطينية التي خذلتها قياداتها.. والحياة في بيروت أثناء دراسته للطب.. والحياة في غزة مع أهلها ورجالاتها والمضحك المبكي في العمل مع أحمد الشقيري الرئيس الأول لمنظمة التحرير ومع غيره ممن سبقوه أو خلفوه.. إلى دوره في مفاوضات مدريد وواشنطن وكيف تم الالتفاف عليها في "أوسلو".

ذكريات كثيرة الألم وعميقة الأثر على القلب الذي ارتسمت فيه خارطة فلسطين وعلى الوجه الذي لم تغير آثاره السنين ومن ضيائه وإشراقه...