ادوارد سعيد المنتمي
بقلم: د. مصطفى البرغوثي
ليس من المبالغة القول ان افضل من مثل قضية الشعب الفلسطيني ومعاناته وطموحه للحرية الحقيقية والكرامة، هو ادوارد سعيد. مع ان ادوارد سعيد لم يصل لفلسطين عبر بوابة الانتماء القومى او المعاناة بحكم التواجد في الموقع الجغرافي الفعل السياسي البحت.
لقد وصل ادوارد سعيد لفلسطين من بوابة الانتماء العريض والواسع للفكر والقيم الانسانية الرفيعة وللقيم الاشمل والحس المرهف تجاه العدالة والحق. وقد راى بوعيه قبل قلبه مدى فداحة الظلم الذي يعيشه شعبه وعمق الجريمة التي ارتكبت بحقه، واستثمار اكثر الصمت المنافق للكثير من الاقلام والاطراف والجهات الدولية عما جرى له، اما حرصا على مصالح او رهبة من ارهاب اللوبي الإسرائيلي او تقاعسا عن القيام بواجب قد يكون مكلفا ولن يكون بالتأكيد مربحا.
كان لدى ادوارد سعيد حساسية متوقدة دون انقطاع تجاه الظلم ولذلك انتمى بكل جوارحة لفلسطين. ولذلك ايضا كان تمثيله لفلسطين هو الافضل. لانه استمد طاقته من قيم انسانية راقية تصعب معارضتها، ولانه ايضا كان مستقيما، لم يخادع ولم يراوغ بل قال الحقيقية، قالها دائما وقالها كاملة وقالها للنهاية ايا كان الثمن. قالها للإسرائيليين وضد الحركة الصهيونية بنفس القوة التي قالها عند انتقاد اخطاء السلطة الفلسطينية.
وقد دفع ادوارد سعيد ثمنا باهظا لمواقفه ولجراته ولشجاعته الفكرية. وقاوم بشجاعة هجمة الحركة الصهيونية واللوبي الصهيوني وانصاره في الولايات المتحدة، وكان يعرف انه ضحى بالكثير من المكتسبات من اجل قول الحق في قضية فلسطين، كما كان يعرف انه قد ضحى الى الابد بما يسمونه "راحة البال" و "السكينة" وقد فعل ذلك عن إدراك ودون تردد.
وكان ذلك كله طبيعيا، فحياة ادوارد سعيد كانت تجسيدا لفكرة "انتماء المثقف" وان كانت قد تميزت بالجمع المذهل بين انضباط الملتزم والاندفاع الكامل نحو حرية البحث والتنقيب عن الحقيقة دون محاولة التغطية على نتائجها، الامر الذي قاد ادوارد سعيد الى موقف المعارضة الديمقراطية الفلسطينية، وخاصة بعد اتفاق اوسلو واى المساهمة بجرأة تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية كحركة معارضة ديمقراطية تسعى لإعادة استنهاض الشعب الفلسطيني والوصول بقضيته الى لحظة الإنجاز.
وقبل الخوض في تفاصيل كل ذلك، لابد من استذكار بعد ثالث لعلاقة ادوارد سعيد بفلسطين وبعمله عموما، وهو ذلك الشعور الملح واليومي بالواجب، وبأنه يستطيع ان يعمل اكثر واحسن وان عليه واجبا في كل حقول المعرفة التي خاضها ولكن خاصة تجاه فلسطين. وكان تفاقم الاحداث وتعاظم التحديات التي تواجهها وفداحة الخسائر الفلسطينية خلال الانتفاضة في ظل تجل مريع للعجز العربي والفشل القيادي الفلسطيني يثير لديه الما حادا كجرح سكين لا تتوقف عن الحركة لتذكره بان عليه ان يعمل اكثر، رغم انني لم أر في حياتي شخصا لا يتوفق عن العمل مثله.
كان اخر حديث لي معه قبل وفاته بثلاثة ايام، لدقائق سمح بها وضعه الصحي المتردي، وجاء صوته ضعيفا عبر الهاتف وقلت له – استرح قليلا، استرخ حتى تسترد قواك، وقال لي، كيف أستريح، اريد ان انهض، اريد ان اكتب، اريد ان اعمل، انا لم اعمل شيئا حتى الان!!!
لم يعمل شيئا حتى الان !! ليت الكثيرين يتعلمون من ذلك! لقد تبارى بعض المثقفين بعد وفاته في محاولة اظهار انه محايد وغير ومنتم وانه أسمى من الانتماء، وبرأيي إنهم كانوا يدافعون عن سلبيتهم وخوفهم من فكرة الانتماء سواء لفكر ولقضية، او للنشاط السياسي الذي انهمك فيه مؤخرا. وكان المثقف يجب ان يعيش في برج عاجى اسمى من البشر العاديين وهمومهم وقضاياهم.وهؤلاء اما لم يعرفوا ادوارد سعيد او لم يفهموه.
ولا اعرف كيف استفحل هذا المرض بالخوف من الالتزام سواء كان فكريا او ثقافيا او إنسانيا او سياسيا، وان كنت اجد له تفسيرا بانه وجد عبر التاريخ تعبيرا عن ضعف بشري يتعمق دائما في ظرف الأزمات والإحباط. فالانتماء والالتزام مكلف، والبرج العاجى يوفر الامان والسكينة. ويستطيع اصحابه الادعاء بما سماه ادوارد سعيد " العقلانية والفكر" والتي ربطت كلمة مثقف ذهنيا بـ "برج عاجى" و"استهزاء" بالاخرين. ممستشهدا في محاضرات ريت التي قدمها عام 1993 والتي جمعت في كتاب "صور المثقف" بما قاله ريموند وليامز "ظلت الاستعمالات السلبية للكلمات مثل المثقفين والنزعة الفكرية والصفوة من المثقفين، سائدة في الانجليزية حتى منتصف القرن العشرين من الواضح ان التشبت بها مازال مستمرا".
ويتعرض سعيد في ذلك الإطار لرأي جوليان بندا بان "المثقفين يجب ان يتحلوا بالموهبة الاستثنائية وبالحس الأخلاقي الفذ، وان يشكلوا ضمير البشرية، مؤكدا عدم الموافقة على الفكرة القائلة، بوجود مثقفين منفصلين كليا عن العالم الواقعي، منصرفين بكليتهم الى الاهتمامات الخيالية، مقيمين في ابراج عاجية، يعيشون في عزلة شديدة ويكرسون حياتهم للمواضيع المبهمة....
فالمثقفون الحقيقيون لا يكونون ابدا في أفضل حالاتهم النفسية الا عندما تحركهم مبادئ الحق والعدل النزيهة فيشجبون الفساد ويدافعون عن الضعيف، ويتحدون السلطة الميبة او القمعية.
ليقترب اكثر في نهاية المطاف من تصور غرامشى باعتباره اقرب للواقع ثم لينتهي باستحالة وجود المثقف الخاص، فكل عمل للمثقف هو مزج معقد بين الخاص والعام، "لانك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب فيها كلماتك ثم تنشرها" ومن حق البشر كاهم توقع معايير سلوكية لائقة من القوى الدنيوية او الأمم، وان الانتهاكات المتعمدة او الناجمة عن اهمال هذه المعايير بجب ان يشهد ضدها وان تحارب بشجاعة".
ولا يكتمل الصورة دون الاشارة هنا الى ان ادوارد سعيد كان حازما في موقفه ضد التعصب، فهو لم ير الانتماء لقضية ما دافعا للتعصب بل تشدد في المطالبة بالموضوعية والانفتاح الفكري واخضاع كافة المسلمات للفحص والتمحيص وحتى النقد.
وفي نقده المباشر لاتفاق اوسلو يتقدم ادوارد سعيد من ذات المسالة التي أثرناها، مشكلة الخوف من الالتزام وقول الحقيقة لدى بعض المثقفين الفلسطينيين وسب التناقض الصارخ بين أقوالهم في الدوائر المغلقة وتلك في العلن على شاشات التلفزيون ليتساءل "أيكون الأمر ان اغلبنا يحمل تحت جلده الموروث السائد حتى الان في معظم بلدان العالم العربي، حيث يجد المثقف نفسه في خدمة السيد والراعي، فيدافع عنه ويهاجم من يهاجمه، ويحرص دائما على تجنب ما يضير مستقبله المهني ويقلص من حجم المكافأة التي ينالها جزاء لخدمة هذا السيد".
"انا ازعم ان هذا الإحساس بانعدام الأمان وثيق الصلة بالاختراق الأمريكي والإسرائيلي لصفوفنا. وما اعنيه بالاختراق هنا، هو ذلك الهوان الثقافي والأخلاقي حين يصبح الهدف الرئيسي للمثقف الفلسطيني والعربي ليس النضال من اجل الاستقلال الوطني، وانما الفوز بقبول أي من الساسة او الأكاديميين الإسرائيليين او الحصول على دعم مالي من الاتحاد الاوروبي او من تتم دعوته الى مؤتمر ما في باريس او نيويورك. لماذا ينبغي علينا دوما ان نعود الى البديهيات، وان نكرر بان ثمة فارقا كبيرا بين الحوار والاذعان، وبين التعامل مع الواقع والاستسلام لشروط الطرف الاقوى".
هذا ما قاله ادوارد سعيد في معرض استعراضه لاتفاق اوسلو وهو برأيي ينطبق اليوم حرفيا على ما سمى "بوثيقة جنيف" ودعاتها الذين لم يعودوا يستطيعون التمييز بين الواقعية، باعتبارها فهما للواقع من اجل تغييره، وبين الاستسلام المحزن للواقع الأليم.
وقد سبق ادوارد سعيد زمنه في كثير من الأحيان. ولعل منظومة أفكاره في نقد الاستشراق والفكر الغربي، قد سبقت بالنقد والتحليل ما نوجهه اليوم بثلاثة عقود، وكم تبدو كلماته التي كتبها قبل عشرة أعوام بالضبط دقيقة الى حد النبوءة عندما كتب "كان الله في عون العديد من حكام العرب الذين أراهم اليوم في وضع لا يحسدون عليه، فقد اشتروا من خلال التودد لإسرائيل والولايات المتحدة مهملة زمنية ليست طويلة، في الوقت الذي سيجدون فيه أنفسهم قريبا جدا مضطرين لمواجهة المشاكل الاجتماعية والمعنوية الحادة التي ارجا التعامل معها وتجاهلوا وجودها لزمن طويل".
رفض اوسلو:
لعل ابرز محطات علاقة ادوارد سعيد بالقضية الفلسطينية كانت رفضه المباشر، الحاد والقاطع لاتفاق اوسلو، وتوافق ذلك مع استقالته من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني. ومثلما هو متوقع فان رفضه لم ينطلق من اعتبارات التعصب القومي الذي عارضه دوما، بل من زوايا عديدة أولها إدراكه بان هذا الاتفاق سيلتقي الفشل بسبب عدم منطقيته، وغياب الانسجام في نصوصه ومعانية، مما أدى إلى تنازلات مبدئية مريعة من الجانب الفلسطيني، حين تقدم "حركة تحرر وطني لأول مرة في القرن العشرين على تفريط بإنجازاتها الضخمة وتقبل التعاون مع السلطة احتلال، قبل ان تجبر هذه السلطة على الاعتراف بعدم شرعية احتلالها للاراضي بالقوة العسكرية".
وقد تشارك سعيد مع الكثيرين من القياديين الفلسطينيين في ضيقه من مستوى عدم الكفاءة والاستهتار واللامسئولية التي رافقت المفاوضات ونتائجها، وتذمر دون انقطاع من تعلق القيادة الفلسطينية بالمظاهر الشكلية- وخاصة مظاهر السلطة الزائفة- دون ايلاء الاهتمام للمضمون، فتصبح الرموز بديلا للسيادة الحقيقية والألقاب الوزارية بديلا للصلاحيات السيادية والتبعية الاقتصادية بديلا للتخطيط المستقل، ويغدو نهج تجزئة القضايا وتأجيلها "الغلاف المحكم" لتبرير تنازلات حتمية مؤجلة، اصطدمت بها السلطة الفلسطينية عندما حانت احظة الحقيقة في كامب ديفيد.
ولو كان ادوارد سعيد معنا لأشار هنا إلى البراجماتية المنفلتة التي تتحول الى انتهازية خطرة وضارة لخدمة المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة للشعب.
لقد قاد انتقاد اوسلو، كما يقودنا انتقاد سلوك "ازدواجية الخطاب السياسي للقيادة الفلسطينية" ادوارد سعيد الى الاستنتاج الرئيسي بحتمية اعتماد الديمقراطية الداخلية كحكم لحسم الخلافات الداخلية، ولإنقاذ مستقبل الشعب الفلسطيني من الهوان وانعدام الكفاءة.
فقد رأى عن حق الترابط الوثيق بين عناصر الضعف الداخلي في انعدام بنيان المؤسسة وغياب مبادئ المساءلة وسيادة القانون والشفافية امام الشعب وبين الضعف امام العدو الخارجي، ولذلك غدا من اشد المكافحين من اجل الديمقراطية الداخلية الفلسطينية وتكريس الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة كوسيلة للتغيير الايجابي وتقوية القدرة على الصمود في وجه الاحتلال والاستيطان والتهويد.
انتفاضة الاستقلال:
لقد أمدت الانتفاضة الشعبية الثانية من اجل الاستقلال ادوارد سعيد بطاقة مليئة بالحماس والحيوية وهو يواصل صراعه مع مرضه بشجاعة لا توصف. ولعل تحسسه الشديد لقيمة الوقت الثمين سواء بالنسب لحياته الشخصية او للمخاطر التي تعيشها القضية الفلسطينية والحاجة الملحة لعمل كل ما هو ممكن، هو ما جعله يكرس جل عمله وكتاباته الأخيرة للقضية الفلسطينية وهو ما دفعه للمشاركة الفعالة بجرأة وإقدام معنا في الداخل في تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية باعتبارها أداة تغيير وتطوير لبناء قوة شعبية تعبر عن حقوق ورأى الأغلبية الصامتة المتطلعة للحرية والسيادة الفلسطينية الكاملة والديمقراطية.
وفي ذلك امتزج حرص سعيد المفرط على الوقوف الى جانب الحق مع خبرته الطويلة في الكفاح ضد انعدام الكفاءة والتسلط والتخلف إلى جانب الإيمان الكامل بفكرة انتصار العدالة والتمسك بالديمقراطية وحقوق الإنسان، محاولا ان يكرس مقولته بأنه لا يكفي ان ندعو للحق، بل علينا ان ننخرط ايضا في العمل من اجله.
وقد وصف في آخر كتاباته المبادرة الوطنية الفلسطينية "بأنها المجموعة الواعدة التي تضم نشطاء يعملون على مستوى القواعد ولا يتضمن نشاطهم الرئيس العمل وراء مناضد او التلاعب بأرصدة مصرفية، او البحث عن صحافيين كي ينتبهوا إليهم بل جاءوا من صفوف المهنيين وفئات العمال والمثقفين والنشطاء الشباب والمعلمين والأطباء والمحامين والعاملين الذين مكنوا المجتمع من الصمود وفي الوقت نفسه صد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية وثانيا هؤلاء أشخاص ملتزمون بذلك النوع من الديمقراطية والمشاركة الشعبية الذي لا تحلم به "السلطة" وتعنى فكرة الديمقراطية لديهم الاستقرار والأمان لذاته. وأخيرا، انه يقدمون خدمات اجتماعية للعاطلين عن العمل وخدمات صحية لمن لا يتمتع بتامين وللفقراء تعليما علمانيا لائقا لجيل جديد من الفلسطينيين الذين يجب ان يعلموا حقائق العالم الحديث وليس فقط القيمة الفريدة للعالم القديم.
لقد جادل ادوارد سعيد كثيرا حول مستقبل القضية الفلسطينية، وساهم بجرأة في تحديد البديل الوحيد الصحيح في حال نجاح إسرائيل في تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وحقيقية، بطرحه لفكرة الدولة ثنائية القومية- دولة واحدة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع. وإذا كان من الخطاء سياسيا التخلي الان عن هدف الدولة المستقلة، فان التمسك بخيار الدولة ثنائية القومية كخيار بديل يتيح للشعب الفلسطيني هامشا واسعا للمبادرة ورفض الضغوط الرامية الى تزوير فكرة الدولة المستقلة واستبدالها بفكرة حكم ذاتي هزيل يلعب دور الشاويش او الشرطي تحت إشراف الاحتلال ويقوم بدور القامع للشعب الفلسطيني في جيتوات ومعازل تلغي عنصر التفوق اليدموجرافي في مجابهة فرض الحقائق الجغرافية بالاستيطان.
ويصبح الخيار إما إنهاء الاحتلال وإزالة الاستيطان بالكامل وقيام دولة مستقلة كاملة السيادة بالكامل او دولة ثنائية القومية ديمقراطية بالكامل لا مكان فيها للتميز العنصري ونظام الابارتهايد. وفي الحالتين فان الخيار واحد... التمسك بقيم الكرامة والحق والتصميم على نيل الحرية.
لقد رأى ادوارد سعيد فلسطين في محيطها العالمي ودون انفصال عنه. ودافع عن حقوق شعبنا من زاوية التمسك بحقوق وكرامة كل الشعوب، مثلما كان بعيدا عن كل أشكال التعصب وضيق الأفق. وحمل فلسطين الى العالم كما حمل العالم وثقافته وفكره وحضارته إلى فلسطين.
واكتسب مكانه قيادية رائدة فلسطينية وعربية وعالمية، ليس بقوة السلاح او التحكم بالموارد المادية او السلطة، بل بقوة الفكر، وبقوة النفوذ الأخلاقي الذي صنعته استقامته وحبه للناس وتعطشه دون حدود للمعرفة واكتشاف كل ما هو جديد.
ولن يغيب ادوارد سعيد، فالذين يغيبون هم الذين يمثلون الماضي حتى وهم احياء. اما هو فيمثل المستقبل، الذي نحلم به لنا ولأولادنا وأحفادنا ولوطننا المكتوي بالآم تبدو كأنها لا تنتهي.