قراءة في الاجتياح الإسرائيلي الأخير لرفح
لماذا رفح عامة ؟ و لماذا تل السلطان برفح خاصة ؟؟
بقلم / رائد عبد الرازق
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الحالية " انتفاضة الأقصى " في سبتمبر 2000 م و مازالت مستمرة، و كان لاندلاعها عدة أسباب: فشل أسلوب التفاوض مع إسرائيل، انخفاض سقف المفاوضات التي كانت تجري انخفاضاً كاد يجني على قضايا حساسة للشعب الفلسطيني، تهرب إسرائيل من تنفيذ غالبية تعهداتها إن لم تكن منها كلها في حين كان المفاوض الفلسطيني ينفذ تعهداته بشكل دقيق و بإخلاص و تفان كثيراً ما أوشكا على الصدام الداخلي، بالإضافة للضائقة الاقتصادية التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني و الناتجة عن الحصار و التقييد الإسرائيلي من جهة و الفساد المالي الفلسطيني من جهة أخرى، و بالتالي فشل مشروع تايوان الشرق الأوسط الذي كان ينتظره الجميع، مما أدى لسواد حالة كبيرة من الإحباط لدى الناس.
هذا و منذ اندلاع الانتفاضة الحالية لم تدخر إسرائيل من جهدها أدنى قدر ممكن، و مارست كل ما جال بخاطرها من قتل للأبرياء، هدم للمنازل، تجريف للأراضي، اقتلاع للأشجار المثمرة، تدمير لشبكات الري و مياه الشرب و الصرف الصحي، هدم للمئات من المعامل و الورش و المصانع، قصف و هدم العديد من المؤسسات التابعة للسلطة و للأحزاب و حتى دور العبادة و مؤسسات رعاية أصحاب الحاجات الخاصة ( كالمعاقين مثلاً )، زرع بؤر عسكرية و حواجز في كل مكان، شق طرق التفافية و إغلاق طرق رسمية..........الخ من جرائم يندى لها جبين البشرية، كل ما سبق لم ينجو منه مخيم أو مدينة أو قرية، في الضفة و غزة.
فعلى مستوى الضفة الغربية تم الشروع في بناء جدار عازل يفصل المدن الفلسطينية ( بعد إعادة احتلالها ) عن بعضها و تحويلها لغرف مغلقة و معزولة عن بعضها عزلاً تاماً و بذلك يتم ابتلاع حوالي 60% من الأراضي.
أما قطاع غزة و الذي لا تزيد مساحته عن 360 كلم مربع على الأقل 40 % منها مستوطنات، و الذي يقطنه حوالي 1.200.000 فلسطيني كأعلى نسبة سكانية في العالم كاملاً، فقد تم تقسيمه منذ الأشهر الأولى في الانتفاضة إلى 3 أقسام رئيسية يمكن فصلها على الفور بإشارة صغيرة من جندي في أي موقع كان، و هي:
1- غزة و الشمال ( بيت حانون، بيت لاهيا، جباليا ، غزة ) .
2- المنطقة الوسطى ( النصيرات ، الزوايدة ، البريج ، المغازي ، دير البلح ) .
3- الجنوب ( خانيونس ، المنطقة الشرقية " عبسان ، بني سهيلا ، خزاعة " ، رفح ) .
* منطقة الشمال محاصرة تماماً من جهة الارتباط بإسرائيل بحكم وجود المستوطنات من ناحية و حاجز ايريز من ناحية أخرى .
* المنطقة الوسطى محاطة تماماً بالبحر الممنوع على الفلسطينيين سوى لأمتار محدودة من ناحية و إسرائيل من أخرى مع وجود مستوطنتي نتساريم و كفار داروم كنقطتي فصل مركزيتين .
* منطقة خانيونس و رفح محاصرة من عدة جوانب كما يلي :
· جانب البحر بمجمع استيطاني يفصل رفح عن البحر تماماً .
· مجمع مستوطنات غوش قطيف .
· حاجز كوسوفيم حيث الطريق إلى إسرائيل بجوار حاجز أبو هولي .
تبقى نقطة الارتباط الوحيدة لقطاع غزة بالعالم الخارجي في رفح ، حيث الارتباط مع الحدود المصرية و اقتراب منازل اللاجئين الفلسطينيين من السلك الحدودي بشكل يكاد يكون ملاصق.
و من هنا يرى الجيش الإسرائيلي بأنه لاستكمال عزل قطاع غزة تماماً عن العالم عليه أن يقوم بعزل الحدود الفلسطينية المصرية عن بعضها بحاجز إسرائيلي يتحكم في المرور و الدخول و الخروج و التواصل مع مصر و بالتالي مع العالم الخارجي ، هذا الحاجز يتمثل في منطقة فاصلة يصل عرضها لما لا يقل عن 100 متر بين الحدود ، بالإضافة لجدار عازل كما يحدث في مدن الضفة . و بُدأ فعلياً بإنشاء جدار حديدي على الحدود بطول 8 كلم و ارتفاع 8 م و أنهي منه مسافة 2 كلم .
بقيت المسافة الفاصلة ، و هذه لكي يتم إنجازها لابد من هدم آلاف المنازل ، حيث أنه بالقرب من أو على الحدود المصرية الفلسطينية مباشرة توجد التجمعات السكانية الفلسطينية التالية :
· مخيم البرازيل * مخيم يبنا * بلوك " أو " O * مخيم الشعوت * مخيم السلام .
جميع هذه التجمعات مكتظة بالسكان بشكل كبير جداً ، و منذ بدء الانتفاضة الحالية تقوم إسرائيل و بشكل يكاد يكون يومياً بهدم المنازل في تلك المناطق و إطلاق النار على البيوت و المنازل بشكل عشوائي يهدف لتحويل حياة المواطنين لجحيم و بالتالي ترحيلهم من منازلهم ليجري هدمها ، كما أنها تقوم بعدة حملات عسكرية مكثفة لعدة أيام تجري فيها أعمال هدم و تجريف عشرات المنازل مرة واحدة كما تم في اجتياح 10/2003 م حيث تم هدم 120 منزلاً على الأقل مرة واحدة .
التجريف أيضاً تم في آخر اجتياح الأسبوع الماضي و بشكل فظيع لدرجة أنه في الفترة من 13 إلى 15 /5/2004 م تم هدم 106 منزلاً بشكل كلي بالإضافة لـ 83 محلاً تجارياً و 9 أحواش و ذلك بشكل كلي ، و لكم سادتي الكرام تخيل عدد البيوت و المحلات التي جرى هدمها خلال السنوات الثلاثة الماضية و تخيل حجم الكارثة ، هناك العديد من المناطق في تلك التجمعات السكانية تم إزالتها تماماً و أصبحت أراضيها جرداء ككف اليد الممدودة ، في آخر تجريف تم هدم العديد من المنازل و أهلها بداخلها خوفاً من أن تسلك الجرافات الطرق العادية تحسباً لوجود ألغام أو عبوات ناسفة ، إنهم هكذا يتصرفون دونما أي اعتبارات لأدنى مستويات الأخلاق و الإنسانية .
في آخر إحصائية صادرة عن وكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا " تظهر أن عدد المنازل التي تم هدمها في رفح منذ بداية الانتفاضة لغاية نهاية آخر اجتياح هو 1476 منزل و بالتالي شردت 14666 مواطن غالبيتهم - إن لم يكونوا كلهم - من اللاجئين ليصبحوا لاجئين للمرة الثانية.
هذا عن لماذا رفح بالذات.
أما عن تل السلطان و الذي تعرض على مدار أسبوع تقريباً لعدوان نازي ( وزير العدل الإسرائيلي ليبيد ) و فاشي و خال من مواصفات البشر في أسوأ منحنياتها له عدة أسباب و قبل الحديث عن الأسباب أود أن أشير هنا إلى أن منطقة تل السلطان تتمتع بالمواصفات التالية:
1- منطقة واسعة المساحة.
2- شوارع المخيم فيها واسعة بشكل مناسب لحركة الآليات العسكرية الثقيلة.
3- منطقة ساقطة عسكرياً ( حسب المفاهيم الحربية ).
4- لا يوجد فيها أي نوع من المقاومة من حيث الأجهزة أو الأفراد.
5- محاطة من الخلف بتجمع استيطاني يعزلها تماماً عن البحر.
6- محاطة من الجهة الثانية بطريق استيطاني يؤدي إلى مجمع مستوطنات غوش قطيف.
7- من الجهة الثالثة توجد طريق تؤدي إلى البحر و فيها نقطة مركزية للجيش الإسرائيلي، و بعده منطقة فارغة و واسعة بها كثبان رملية تفصلها عن تل زعرب الملاصق للحدود المصرية.
و بناءً على كل ما سبق فان منطقة تل السلطان هي الحلقة الأضعف في منطقة رفح و بالتالي الأسهل للاجتياح و القيام بحملة عسكرية واسعة فيها و ذلك للأسباب التالية:
1- إعادة تأسيس و بناء الروح المعنوية للجنود الإسرائيليين و خاصة بعد مقتل 13 منهم في الزيتون و رفح الأسبوع قبل الاجتياح.
2- توجيه رسالة لقوى المقاومة بأنكم لستم بعيدين عن أيدينا.
3- خلق حالة من الإرباك و التوتر و الإحباط داخل التجمعات السكانية تؤدي بعدد منهم لترك المنطقة.
4- عزل و خنق قوى المقاومة في عدة مواقع.
5- إيجاد حالة من ثقافة الانهزام لدى المواطنين و خاصة بعد نجاح المقاومة في بعض العمليات في الفترة الأخيرة.
6- إبعاد الأنظار عن أعمال التجريف التي تتم في المناطق المحاذية للحدود مع مصر.
هذا و نشير إلى أن الصحف الإسرائيلية تحدثت مؤخراً عن إنشاء قناة بعمق 20 متر في المنطقة العازلة التي تعمل إسرائيل كل ما بوسعها على إنجازها بأكبر سرعة ممكنة، هذه القناة تتغذى من مياه البحر بهدف زيادة خنق الحدود و الفصل و منع حفر الأنفاق.
رائد عبد الرازق / غزة
30/05/04