جــدار الفصــل العنصــري
التحدي والتحدي المضاد
إبراهيم الدقاق
يأتي بناء الجدار العنصري حول القدس ليؤكد لمرة إضافية ما انتوته وما قررته وما عملت من أجله إسرائيل من فصل القدس عن الأراضي الفلسطينية منذ العام 1967. وإختلاف الحاضر عن الماضي هو شكلي وليس موضوعياً. فإسرائيل تسعى ببناء الجدار تحويل القدس من غيتو مفتوح الجوانب إلى زنزانة مبنية جدرانها بالخرسانة المسلحة.
والمشكلة ليست في نوع الجدران، فقد كانت الجدران قائمة منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، غير أنها كانت شفافة وشبكية ينفذ منها النور وتسمح للهواء بالدخول إليها، وتتيح للفلسطينيين في الأراضب المحتلة التواصل عبرها روحياً وإجتماعياً وثقافياً. أما الآن فهي تسعى إلى تحويل الجدران حول القدس إلى مبكى يقف الفلسطيني خلفه كما يقف اليهودي أما حائط المبكى كل يوم سبت طالباً المستحيل.
ولكن ماهو المستحيل الذي تتحدث عنه إسرائيل؟
لم تخف إسرائيل منذ البداية أنها تريد تفتيت الشعب الفلسطيني وتبديد حضارته وثقافته، والتخلص من الضحية والشاهد الفلسطيني الذي أمسك بها متلبسة بجريمة القتل والسرقة والعدوان والتبديد، وهي الجرئم التي حوكم بمثيلها آخرون بعد الحرب العالمية الثانية وصنفت أفعالم بأنها جريمة بحق الإنسانية. غير أن إسرائيل معفية من تقديم الحساب عن أفعالها والإدانة بسببها بنعمة فيتو الرئيس الأميركي وبطانته.
أعود للقول بأن القدس في الأسر منذ العام 1967. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. ولكن هل نستجيب للرغبة الإسرائيلية ونستكين للواقع ونحول الجدار إلى مبكى فلسطيني؟
لا ريب في دوافع إسرائيل لبناء الجدار العنصري ولا شك في أنه يعود لفشل إسرائيل في منع التواصل الروحي والاجتماعي والثقافي بين أبناء الشعب الفلسطيني ومقاومتهم لتفتيت نسيجه وتبديد ثقافته وحضارته.
ولكن ما العمل؟
هل نزيد من مستوى العويل والصراخ على الجريمة المتحققة بكل أركانها؟ وهل نطلب رأفة من الولايات المتحدة آملين بتذكر وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومستشارة الأمن القومي نقاط الرئيس ولسون الأربع عشرة، فيعودوا إليها معتذرين عن السهو والخطأ، شاكرين فضل من نبههم؟
لا بطبيعة الحال، فمثل هذا التفكير محكوم عليه سلفاً بالفشل. بل المطلوب هو قبول التحدي، والإبداع في مقاومته، ومقاومة نتائجه الكارثية على نسيج الشعب الفلسطيني وعلى حضارته وثقافته. والحديث عن الإبداع ليس بغريب على أهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو يستدعي لضمان استعادة فاعليته مراجعة الأداء الفلسطيني الرسمي والأهلي ونقده بموضوعية واستخلاص العبر من التجربة السابقة. ويعني كذلك تعزيز عوامل الترابط بين الفلسطينيين بثقة أعلى، وذلك بالتخلص من المعوقات التي تعشش في أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية وفي بعض المنظمات الأهلية، حتى تعود طاقات الشعب الفلسطيني إلى الانطلاق في جهد موحد لأداء فريضة المقاومة للجدار، وللاحتلال ذاته.